ابن أبي العز الحنفي
368
شرح العقيدة الطحاوية
الثناء والمجد ، أحقّ ما قاله العبد ، وكلنا لك عبد » « 469 » . فهذا حمد ، وهو شكر للّه تعالى ، وبيان أن حمده أحقّ ما قاله العبد ، ثم يقول بعد ذلك : « لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجد » . وهذا تحقيق لوحدانيته ، لتوحيد الربوبية ، خلقا وقدرا ، وبداية ونهاية « 470 » ، هو المعطي المانع ، لا مانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع ، ولتوحيد الإلهية ، شرعا وأمرا ونهيا ، وإن العباد وإن كانوا يعطون جدّا : ملكا وعظمة وبختا ورئاسة ، في الظاهر ، أو في الباطن ، كأصحاب المكاشفات والتصرفات الخارقة ، فلا ينفع ذا الجدّ منك الجد ، أي لا ينجيه ولا يخلّصه ، ولهذا قال : لا ينفعه منك ، « 471 » ، ولم يقل ولا ينفعه عندك لأنه لو قيل ذلك أوهم أنه لا يتقرب به إليك ، لكن قد لا يضرّه . فتضمن هذا الكلام تحقيق التوحيد ، أو تحقيق قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ الفاتحة : 4 ، فإنه لو قدّر أن شيئا من الأسباب يكون مستقلا بالمطلوب ، وإنما يكون بمشيئة اللّه وتيسيره - : لكان الواجب أن لا يرجى إلا اللّه ، ولا يتوكل إلا عليه ، ولا يسأل إلا هو ، ولا يستغاث إلا به ، ولا يستعان إلا هو ، فله الحمد وإليه المشتكى ، وهو المستعان ، وبه المستغاث ، ولا حول ولا قوة إلا به . فكيف وليس شيء من الأسباب مستقلّا بمطلوب ، بل لا بد من انضمام أسباب أخر إليه ، ولا بد أيضا من صرف الموانع والمعارضات عنه ، حتى يحصل المقصود ، فكل سبب فله شريك ، وله ضد ، فإن لم يعاونه شريكه ، ولم ينصرف عنه ضده - : لم يحصل مسببه . والمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك ، ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له ، والطعام والشراب لا يغذّي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى ، ومجموع ذلك لا يفيد إن لم تصرف عنه المفسدات . والمخلوق الذي يعطيك أو ينصرك ، فهو - مع أن اللّه يجعل فيه الإرادة والقوة
--> ( 469 ) صحيح متفق عليه ، وهو حديث آخر ، والمصنف دمجه بالأول ، فأوهم انهما حديث واحد ! انظر المصدر الآنف الذكر . ( 470 ) في الأصل : وهداية . ( 471 ) قال عفيفي : انظر ص 319 ج 4 من « مجموع الفتاوى » لابن تيمية .